حيدر حب الله

179

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم » « 1 » . والهَمَل من الإبل قليل ، وهو الذي لا يرعى ولا يستعمل « 2 » ، وفي ذلك إشارة إلى قلّة عدد الناجين من الصحابة ، فكيف يمكن التوفيق بين هذا الحديث والنتيجة التي خرجنا بها ؟ ! والجواب : إنّ الحديث لا يدلّ على أنّ الناجين من الصحابة هم مثل همل النعم ، بل يدلّ على أنّ الناجين من هذه المجموعات التي يراها النبي صلى الله عليه وآله هم مثل همل النعم ؛ لأنّه لا يوجد تصريح بالصحابة في الحديث ، وكلّ ما في الأمر أنّ في الرواية إشارة إلى « يخلص منهم » والضمير في « منهم » يفترض رجوعه إلى هذه المجموعات التي رآها النبي صلى الله عليه وآله ، فكأنّ الرواية تريد أن تقول : إنّ هناك مجموعات سوف أعرفها وستدخل إلى جهنم ولن ينجو منها سوى بضعة أفراد ، لا أنّ كلّ الصحابة هذا حالهم ، ولا أقلّ من عدم وجود ظهور في ذلك . إلا أن يقال بأنّه لا يمكن عود الضمير على غير الصحابة ؛ لأنّ المفروض أنّ الفئات التي رآها النبيّ قد ارتدّت ونودي بها إلى النار ، فلا معنى لأن يخلص منها أحد « 3 » . لكنّه غير واضح ؛ لإمكان أنّ الارتداد هنا ، كما اعترف به صاحب هذا الكلام نفسه ، هو مطلق الرجوع لا الكفر ، وهذا معناه أنّ من الممكن أنّ هؤلاء تمكّن بعضهم من الخلاص ، وهم قليل جداً ، إما لعملٍ عملوه أو لعدم إغراقهم في التراجع ، ولا مانع منه ، كما نقول : لا ينجو من أصحاب الكبائر إلا القليل ، فلا داعي لإرجاع الضمير إلى مفروض ذهني لا مؤشّر عليه من اللفظ . يضاف إلى ذلك أنّ حديث الحوض ورد بصيغ عديدة ، فنأخذ منها بالقدر المشترك ،

--> ( 1 ) صحيح البخاري 7 : 208 - 209 . ( 2 ) انظر : فتح الباري 11 : 414 . ( 3 ) علي آل محسن ، كشف الحقائق : 176 .